إهـــــــداء

إلى الأستاذ العزيز، والأديب المبدع حسن أوريد، إليكم أهدي هذا الديوان للذكرى، ولكل غاية مفيدة...
ذلك أنه بين سلطة "الواقع" وسلطة "الفكر"، ومد وجزر العواطف... مسافات بعرض السماء دون الأرض.
لقد مر يا أستاذ زمان مديد - نفسيا- بين موقع "التعليمات" و"محراب التأمل"...بآماله... وخيباته...
من أجل ذلك، أدعوكم للتجول معي "هواجس" أوديب الملك، وخلال طيات عواطف و أفكار "ديوجين".
لم أعمد إلى نشر دواويني، وأبحاثي، ولوحاتي التي تجدون بعض عناوينها في فهرس الأعداد التي بين يديكم... والجاهزة للطبع... لوعد قطعته مع بناتي إلى حين تخرجهن وتأهلن... بعدها فقط توجهت لذاتي...

ولعلمكم إن جل مخطوطاتي ... ولوحاتي... وأبحاثي...
ترجع إلى أكثر من 20 سنة، وبعضها لأكثر من ثلاثين سنة...
وعند مراجعتها للطبع، وجدت أن "حالنا" على ما هو عليه...
وكأن "كرونوس" لم يزرنا... وكأن جسورنا لم يجر من تحتها سيل أو جعفر...
إن "دجاجتنا" لا تلد فراخا، بل وظيفتها - دوما - أنها تبيض... والبيض يحتاج إلى حضانة.
فكنا نموذجا للحكمة المغربية القائلة : " نـَـڭ عَلـَى البـِـيضْ أما الفـْرَاخْ طـَارُو"، ولما كانت دجاجتنا تبيض فقط، بقينا موضع "النڭ" لأننا لا نملك أفراخا لتطير...

السلطة يا أستاذ هي السلطة...
مع أم "كاتب الوحي"، وصاحب "شعرة الساسة"...
معاوية !! فأمه افترست كبد العباس بعِنَاقِ "وَحْشـِـي"...
من أجل "هَـيْـبَةِ بَيتِها" وحَفِيدُهَا بعد 15 عِقـْدًا -لا ينسى "وَحْشِـيَّـتـَهُ"- يضحي بنجله لنفس الغاية...

ما بين "بشاعة تمرين الجندي" على القتل، وتلقينه أول درس "اقتل قبل أن تـُقتل"!
إلا "نطفة" مجهرية من فضاعة التمارين السياسية...
في كل سلطة "لحظة" قسوة، سواء كانت سلطة "المال" أو "الحكم"!
من أجل ذلك كان الإقطاعي الفرنسي –في القرون الوسطى – يأخذ ابنه إلى حدود "أرضه" ويصفعه حتى "الغيبوبة"! ثم يرشه بالماء ليذكره بحدود إقطاعيته...
لكل "أمر" حدود، والعنف والقسوة دوما كانت –منذ وضع الإنسان سياجا وقال هذا لي، وذاك لك كما قال: ج.ج. روسو – جدار هيبة، وسور سلطان...
منأجل ذلك أوصتني "ماما" أن لا أقرأ "سِفـْرًا أصفـَرَ لقابيلَ وهابيلَ"! وأن لا أسمحَ لنعيق "غُرَاب" أو صفير "بُوم" بأن يتربَّعَ على "طـَبْلـَةِ أذْنِي"... وصية عَلـَّـقـْتـُها على صدري بناتي...
زأحفادي.
إن الأفكار -منذ الأزل- تملك أجنحة ...

تتحدى الحدود ...
والأسوار...
والقلاع مهما علت...
من أجل ذلك نكتب...
لقد كتبوا ففهنا، ونكتب ليفهمون ؟...
المخلص
برادة البشير
فاس في : 31/12/2017


اســـتـــهـــلال

لا يرفع قنديلا نهارا إلى أعلى من قامته إلا أمثال "ديوجين"، فأمثالكم أيها الحكيم لا يتقون بشعاع النهار كفاية !
ذلك أن العمل النقدي ليس من يكثر من الشموع ليلا لقرأ ما بين السطور...
بل العقل النقدي هو من ينير "ديوجين" - قناديله في عز النهار...
كي يشم رائحة الحقيقة في : الإشارات، والحركات، في الرموز...
وتقاسيم الوجوه...
ورسائل العيون... إن العقل النقدي فعالية الشد لتجاوز المعهود، وفض ستائر المألوف...
لا لشيء، إلا لأن المألوف في كل شيء يمثل - حسب تعبير جاستون باشلار- عائقا ابستيمولوجيا - يحول دون مقاربة وإدراك حقيقة الأشياء...
لقد كان "ديوجين" حليفا للمثل الشعبي المغربي القائل : "تركها عادة تعادة !"، أي من اخترق سياج العادات أمسى مغضوبا عليه من طرف سدنة البلادة، والفكر الغث، والتقليد والمحاكاة التي لا تبيض إلا "الجمود" !.
ألم يقل أفلاطون من "دهر" أو يزيد : "إن المحاكاة ما هي إلا ظل للحقيقة لأناس مقيدين في كهوف ؟ !".
من أجل ذلك "أيقظ" ديوجين قنديله ليضمن "يقظة" حواسه وعقله ووجدانه وحدسه... لقد كان قنديل (ديوجين) لقاحا نورانيا لعقله لعقله النقدي مضادا للجلطة التي أصابت "أوديب" ومن قبله أباه "لايوس"...

إن العقل الإنساني النقدي - على حد تعبير مادس بلانك - يستطيع قياس الأبعاد والمسافات الفلكية، ويسبر غور الكوانطوم، ويرصد سرعة الالكترون...
هذا العقل النقدي هو الذي يؤمن بقيمة "فلسفة النفي" كما عبر عن ذلك (هربرت ماركوز"...

إن الإنسان المتفتح هو المؤمن ب "فلسفة لم لا ؟ !". كما ذهب إلى ذلك جاستون باشلار...

إن العقل النقدي لا ينتظر "عطاء" من غيره...
لذلك حين طلب (الاسكندر) من ديوجين تمديد مطالبه، كان جواب الحكيم : "عليك أن تتنح عن شمسي !". من أجل ذلك، اعتبر أفلاطون : "سقراط كأول عالم بيان في تاريخ الفلسفة !" ، وجعل (ديوجين) بمثابة سقراط الأكثر شفافية ! لقد كان قنديل ديوجين نورا لعقله، وكان "برميل الماء" الذي احتضنه رمزا لخصوبته...

ألم يقل حكماء بابل - قبل اليونان - "في الأول كان الماء" ! ، لذلك عاش "ديوجين" بين نور قنديله، وماء برميله كي لا يفقد "خصوبة عقله"...
هو ذا الإنسان ...
هو ذا العقل النقدي !

برادة البشير


ملحوظة :
نثير اهتمام القارئ، إلى أن اللوحات الملونة - طي الديوان - مأخوذة من موقع "غوغل" ذي الصلة ب "ديوجين" أو "أوديب الملك" أو "سلفادور دالي"، أما اللوحات غير الملونة فهي من تشكيل صاحب الديوان، وقد تم اعتماد النهج السالف لإشراك القارئ في التجربة الفنية قصد تعزيز الذوق الفني في اتجاه خلق "حساسية فنية جديدة" حسب تعبير "هـ. ماركوز".